الذهبي
363
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
ثمّ استحضر البرنس في مجلس آخر وقال : أنا انتصر لمحمد منك . ثمّ عرض عليه الإسلام ، فامتنع فسلّ النّيمجاه [ ( 1 ) ] ، وحلّ بها كتفه ، وتمّمه بعض الخاصّة . وافتتح في هذا العام من الفتوحات ما لم يفتحه ملك قبله ، وطار صيته في الدّنيا ، وهابته الملوك . ثمّ وقع المأتم والنّوح في جزائر الفرنج ، وإلى رومية العظمى ، ونودي بالنّفير إلى نصرة الصّليب ، فأتي السّلطان من عساكر الفرنج ما لا قبل له به ، وأحاطوا بعكّا يحاصرونها ، فسار السّلطان إليها ليكشف عنها ، فعيل صبره ، وبذل فوق طاقته ، وجرت له أمور وحروب قد ذكرتها في الحوادث . وبقي مرابطا عليه نحوا من سنتين ، فاللَّه يثيبه الجنّة برحمته . وكتب القاضي الفاضل بطاقة إلى ولده الملك الظّاهر صاحب حلب : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ ( 2 ) ] ، إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [ ( 3 ) ] . كتبت إلى مولانا السّلطان الملك الظّاهر أحسن اللَّه عزاءه ، وجبر مصابه ، وجعل فيه الخلف في السّاعة المذكورة ، وقد زلزل المسلمون زلزالا شديدا ، وقد حفرت الدّموع المحاجر ، وبلغت القلوب الحناجر . وقد ودّعت أباك ومخدومي وداعا لا تلاقي بعده ، وقبّلت وجهه عنّي وعنك ، وأسلمته إلى اللَّه تعالى ، مغلوب الحيلة ، ضعيف القوّة ، راضيا عن اللَّه ، ولا قوّة إلّا باللَّه ، وبالباب من الجنود المجنّدة ، والأسلحة المعمّدة [ ( 4 ) ] ، ما لم يدفع البلاء ولا ما [ ( 5 ) ] يردّ القضاء ، تدمع العين ، ويخشع القلب ، ولا نقول إلّا ما يرضي الرّبّ ، وإنّا بك [ ( 6 ) ] يا يوسف لمحزونون [ ( 7 ) ] . وأمّا الوصايا
--> [ ( 1 ) ] هكذا بالياء . [ ( 2 ) ] سورة الأحزاب ، آية 21 . [ ( 3 ) ] سورة الحج ، الآية 1 . [ ( 4 ) ] في وفيات الأعيان 7 / 205 « المعدّة » . [ ( 5 ) ] في وفيات الأعيان 7 / 205 « ولا ملك » . [ ( 6 ) ] في وفيات الأعيان 7 / 205 « وإنّا عليك » . [ ( 7 ) ] في وفيات الأعيان 7 / 205 « لمحزونون يا يوسف » .